محمد بن جرير الطبري

23

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

نافد للذين آمنوا يقول وما عند اللّه للذين آمنوا به وعليه يتوكلون في أمورهم واليه يقومون في أسبابهم وبه يثقون خير وأبقى مما أوتيتموه من متاع الحياة الدنيا القول في تأويل قوله تعالى وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَواحِشَ وَإِذا ما غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ وَالَّذِينَ اسْتَجابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ يقول تعالى ذكره وما عند اللّه للذين آمنوا والذين يجتنبون كبائر الإثم وكبائر فواحش الإثم قد بينا اختلاف أهل التأويل فيها وبينا الصواب من القول عندنا فيها في سورة النساء فأغنى ذلك عن إعادته هاهنا والفواحش قيل إنها الزنا ذكر من قال ذلك ( حدثنا ) محمد قال ثنا أحمد قال ثنا أسباط عن السدى والفواحش قال الفواحش الزنا واختلفت القراء في قراءة قوله كبائر الإثم فقرأته عامة قراء المدينة على الجماع كذلك في النجم وقرأته عامة قراء الكوفة كبير الإثم على التوحيد فيهما جميعا وكأن من قرأ ذلك كذلك عنى بكبير الإثم الشرك كما كان الفراء يقول كأني أستحب لمن قرأ كبائر الإثم أن يخفض الفواحش لتكون الكبائر مضافة إلى مجموع إذ كانت جمعا وقال ما سمعت أحدا من القراء خفض الفواحش والصواب من القول في ذلك عندنا أنهما قراءتان قد قرأ بكل واحدة منهما علماء من القراء على تقارب معنييهما فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب وقوله وإذا ما غضبواهم يغفرون يقول تعالى ذكره وإذا ما غضبوا على من اجترم إليهم جرماهم يغفرون لمن أجرم إليهم الجرم ذنبه ويصفحون عنه عقوبة ذنبه وقوله والذين استجابوا لربهم وأقاموا الصلاة يقول تعالى ذكره والذين أجابوا لربهم حين دعاهم إلى توحيده والإقرار بوحدانيته والبراءة من عبادة كل ما يعبد دونه وأقاموا الصلاة المفروضة بحدودها في أوقاتها وأمرهم شورى بينهم يقول وإذا جزبهم أمر تشاوروا بينهم ومما رزقناهم ينفقون يقول ومن الأموال التي رزقناهم ينفقون في سبيل اللّه ويؤدّون ما فرض عليهم من الحقوق لأهلها من زكاة ونفقة على من تجب عليه نفقته وكان ابن زيد يقول عنى بقوله والذين استجابوا لربهم الآية الأنصار ( حدثني ) يونس قال أخبرنا ابن وهب قال قال ابن زيد وقرأ والذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش وإذا ما غضبواهم يغفرون قال فبدأ بهم والذين استجابوا لربهم الأنصار وأقاموا الصلاة وليس فيهم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وأمرهم شورى بينهم ليس فيهم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أيضا القول في تأويل قوله تعالى : وَالَّذِينَ إِذا أَصابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ . . . فَأَجْرُهُ . . . الظَّالِمِينَ يقول تعالى ذكره : والذين إذا بغى عليهم باغ ، واعتدى عليهم هم ينتصرون . ثم اختلف أهل التأويل في الباغي الذي حمد تعالى ذكره ، المنتصر منه بعد بغيه عليه ، فقال بعضهم : هو المشرك إذا بغى على المسلم . ذكر من قال ذلك : حدثني يونس ، قال : أخبرني ابن وهب قال : قال ابن زيد : ذكر المهاجرين صنفين ، صنفا عفا ، وصنفا انتصر ، وقرأ وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَواحِشَ وَإِذا ما غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ قال : فبدأ بهم وَالَّذِينَ اسْتَجابُوا لِرَبِّهِمْ إلى قوله : وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ وهم الأنصار . ثم ذكر الصنف الثالث فقال : وَالَّذِينَ إِذا أَصابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ من المشركين . وقال آخرون : بل هو كل باغ بغى فحمد المنتصر منه ذكر من قال ذلك : حدثنا محمد ، قال : ثنا أحمد ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي ، في قوله : وَالَّذِينَ إِذا أَصابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ قال : ينتصرون ممن بغى عليهم من غير أن يعتدوا . وهذا القول الثاني أولى في ذلك بالصواب ، لأن الله لم يخصص من ذلك معنى دون معنى ، بل حمد كل منتصر بحق ممن بغى عليه . فإن قال قائل : وما في الانتصار من المدح ؟ قيل : إن في إقامة الظالم على سبيل الحق وعقوبته بما هو له أهل تقويما له ،